ببساطة: الوعي مهم

كأم ومثقفة صحية و باحثة في أمور الصحة العامة أهتم بكل ما يخص الفترة ما حول الحمل والولادة وأثرها على المرأة والتحول التي تعيشه في كيانها عندما تصبح أماً (وليس مجرد أول مرة تصبح أماً فقط) بل أيضاً كل مرة تصبح أم، matrescence سواء كانت أول أو سادس مرة…لأنه في كل مرة تحمل وتنجب المرأة تخوض تجربة جديدة تغير فيها الكثير، فالمرأة في تحول مستمر مدى الحياة…

وسبق وأن كتبت على أن الأغلب من البنات تتزوج وهي قليلة الوعي بنفسها وجسدها و كيانها كامرأة، ومنهن كثرة من تتحرج من أنها لا تعرف كيف تحدث الدورة الشهرية وكيف يحدث الحمل و حتى عن ماهية العلاقة الحميمة بينها و بين زوجها وأهميتها لتعزيز علاقتهم…ولا تعرف من تسأل…وما تحصل عليه من معلومات بسيطة من الإعلام أو من صديقاتها مغلوط أو غير مبرهن… وتخوض تجربة الحمل والولادة ورعاية الأطفال وهي لا تعي حجم التغيير الذي سيطرأ عليها في خلالها وكيف قد يسبب لها هذا صراعاً داخلياً ومشاكل من حولها بسبب قلة الوعي هذه . فالوعي الجسدي والعاطفي بشكل عام لدى النساء ضعيف ويتطلب تثقيف أوسع وأعمق وشفافية في التعبير ورفع الحرج عنه لارتباطه بعافيتنا كنساء وما له من تأثير على قدراتنا لخوض تجارب الأمومة بقوة وطاقة أكبر…

ولدور المثقفين الصحيين دور أساسي في رفع هذا الحرج، فالحديث عن الجسد وأعضاؤه وقدراته ووظائفه مهم جداً و أجد الكثير من الأسئلة تدور حول عدم معرفتهم عن ماهية الدورة الشهرية وعلاقتها بأنوثتها وكيف تتعامل معها و تقدرها التي يفترض أن تكون أساسيات لكل أمرأة منذ سن البلوغ…وبعدها عند الزواج كيف تحدث العلاقة الزوجية السليمة والمتعة الجنسية للمرأة وأمور الخصوبة والإباضة وفهمها وكيف يحدث الحمل وكيف ينمو الجنين بشكل سليم وكيف تهتم بصحتها وصحته وكيف تحدث الولادة وكيف لها أن تخوض تجربة الولادة بشكل سليم وقوي وعظمة التجربة في حياة المرأة فكلما أدركت هذه المعلومات كان لها القدرة على اتخاذ قرارت سليمة لنفسها و كذلك يساعدها على إنجاح علاقتها بزوجها واستدامتها…

ومن هنا أتحدث عن أنواع المثقفات في مجال صحة المرأة والأم ومنهم المرشدات الصحيات ومنهم من يسمى

Health Coach or Health Educator or Patient Educator

وهم من تستطيع المرأة أن تستعلم و تتكلم بشفافية مطلقة معهم حول كل ما يخصها جسدياً ونفسياً وعاطفياً وتفهم ماهية كيانها كإمرأة بالغة عاقلة قادرة على تحديد مصيرها فيما له علاقة بها سواء من ناحية فسولوجية ووظائف الجسد أو من ناحية أسلوب الحياة الصحي في التغذية والنوم والرياضة البدنية والبعد عن العادات السلبية من التدخين والسهر والغذاء الغير صحي وغيرها

Childbirth Educator ويوجد كذلك من المثقفات الصحيات من يسمى

…وهي من تقوم بالتثقيف حول الحمل والولادة وهو في غاية الأهمية لأنها تغطي فجوة كبيرة في ثقافتنا كنساء لأننا وإن كنا نستطيع الحمل والولادة لأنها و إن كانت في أساسها وظائف جسدية بحتة فإنها تجارب عميقة جداً تتطلب التثقيف والشرح والفهم والوعي ليس مجرد لنا كنساء بل أيضاً للأزواج كذلك…لأنها أمور يجب الاستعداد لها وتهيئة الجسد والنفس لخوضها ولا يجب علينا أن نمر بها بعشوائية وسذاجة لأنها تحدث تغيرات جذرية في فسيولوجية وهرمونية للمرأة قد لا نستوعب حجمها فتساعد المثقفة على استيعاب هذه التغييرات وتمكن المرأة من التعامل معها والخوض فيها بشكل سليم وكامل ومعافى وتخفف من حدة أي مضاعفات قد تحدث عارضة في خلال الفتر فكلما زاد الوعي والعلم زادت قدرتنا على التعامل مع المواقف أي كانت…

فمثقفة الولادة ترشدك للتعامل مع تغذيتك ونومك وصحتك بشكل عام وأنت حامل وتهيئك لخوض تجربة الولادة بالشكل السليم بداية من كيفية اختيار مقدم الرعاية الذي يوفر لك تجربة الولادة التي ترغبين بها وتشرح لك عن مراحل المخاض وكيفية التعامل مع الآم الولادة وعدم مصارعتها وزيادة حدته بل التمكين من تخفيف حدتها ووضعيات الولادة المختلفة وكيف تساعدك على تسهيل الولادة وأنواع الولادات والمحفزات والفرق بين الطبيعي والقيصري وآثار كل منها على جسمك ونفسيتك و أنواع التدخلات الطبية التي ممكن أن تحدث وكيفية التعامل معها إن لزم الأمر (وسأتحدث عن التدخلات الطبية في طرح آخر مستقل) لأهمية الوعي بها وتشرح لك كذلك عن حقوقك الصحية وكيفية اختيار من يرافقك في الولادة كذلك (ليس بالضرورة أن تكون والدتك أو أم زوجك أو أختك)- لأنه يجب أن يكون الأشخاص المرافقين لك هم من يكونون سند حقيقي لك في هذه اللحظات ولا يكونوا مصدر توتر أو قلق أو خوف- كل مما يمكنك من اتخاذ القرار المناسب لك

Doula أذكر هنا نوع آخر من المرشدات الصحيات وهي ما تسمى بالدولا

وهي من الممكن أن تكون هي ذاتها مرشدة الولادة التي تعاملت معها وتثقين بها وتستطيع حسب رغبتك حضور الولادة والبقاء معك في فترة المخاض للدعم النفسي والمعنوي لك ولزوجك في هذه اللحظات وهو ما يفضلنه الكثير من الأمهات ومسموح به في المنشآت الصحية الآن فهي لا تتدخل طبياً لكن تقوم بتشجيعك وتكون مصدر خبرة وقوة وهدوء في هذا الوقت

أهم شيء تقدمه مثقفة الولادة أو الدولا للمرأة الحامل والمقدمة على الأمومة هي مساحة آمنة للاستفسار والتعلم ورفع ستار الخوف الذي يحيط بالولادة – الخوف الذي مصدره عدم العلم والجهل بما لم نمر به بعد – وأود أن أوكد لكم هنا أنه كل ما زاد وعيك وعلمك زادت ثقتك بنفسك وزادت فرص أن تحصلي على تجربة ولادة رائعة – نعم رائعة! ويوجد بالفعل من حولك نساء ولدت بسهولة وفرح لا يوصف لأنها تثقفت و تمكنت من قوتها كإمرأة! وولدت وهي بكامل طاقتها والتحكم في مصيرها ولم تسلم نفسها لتكون مسيرة في الأمر…الولادة ليست مخيفة، فيها قوة جبارة لك بفطرتنا من الخالق سبحانه وتعالى فتعرفي عليها وكوني أفضل وكوني واعية وقوية…

كذلك تقوم مثقفة الولادة أو الدولا بشرح ما يحدث بعد ولادة المولود من أهمية الملامسة الجلدية فور الولادة وكيف يؤثر ذلك عن قدرتك على الرضاعة الطبيعية (أيضاً سيكون لها طرح مستقل لأهميتها) وكيف تكون الهرمونات ودورها في هذه اللحظات الذهبية وكيف يكون خروج المشيمة ومتى يكون قص الحبل السري وكيف والاهتمام بك وبالمولود في هذه المرحلة الحساسة الجميلة وكيف لهذا التسلسل من الأحداث دور كبير في قدرة المرأة على التشافي بعد الولادة واستعادة عافيتها بشكل سليم وبأقل نسبة مضاعفات وأضرار بإذن الله

القابلة Midwife

Midwife وهناك كذلك ما يسمى بالقابلة وهي ممارسة صحية مدربة على متابعة الحمل والولادة من ناحية طبية ولها أن تقوم بالولادة ودعم الأم طبياً في ذلك لكنها لا تقوم بإجراء العمليات الجراحية التي يقوم بها طبيب النساء والولادة في حالات الطوارئ فتشجع على الولادة الطبيعية وقلة التدخلات الطبية الغير مبررة ولها كذلك دور تثقيفي مهم خلال فترة الحمل والولادة وقد تدعم الأم بعد الولادة كذلك في فترة النفاس…

أطباء النساء والولادة Obstetricians and Gynecologists

ولمقدم الرعاية الصحية مثل أطباء النساء والولادة كذلك دور تثقيفي أحياناً قد يكون منسي أو مهمل هنا، لأن الغالبية يرون دورهم علاجي بحت ويهتم فقط بالمداواة أو الولادة كعملية جسدية فقط وذلك حسب النمط التعليمي التقليدي ولا ينظر إلى الحمل والولادة كتجربة حياتية لإنسانة بكامل كيانها و يرعاها الرعاية التكاملية المطلوبة وتعتبر أولاً كمستهدف لا ينظر فيه لأي مُخرج إلا ولادة الطفل الحي وعدم وفاة الأم فقط ونتائج فحوصات وتقييم والإحصائيات الأساسية، فتكون “الرعاية” سطحية، كشف وتشخيص وتوليد ووصف للدواء والندرة من يأخذ من وقته فعلاً ويشرح ما يحدث ومسبباته ومقترحات معالجة أي مشكلة والخيارات المتاحة وأبعادها ومشاركة المرأة الرأي واتخاذ القرار المشترك المناسب لها، وقد يكون هناك معتقد شائع لدى الأطباء بأن الطبيب هو من يولَد وأن الولادة هي حالة طوارئ وليست المرأة من تلد بنفسها (إلا فيما ندر)… ونجد من الأطباء من يغضب إن سألت المرأة سؤالاً أو رغبت بالتفاصيل أو طالبت بحقها ونرى التهديد والوعيد أو بعض أشكال التنمر وهذا مؤسف وغير مبرر لكن نطمح أن يتبدل هذا الحال للأفضل بزيادة وعي مقدمي الرعاية عن أهمية النظر للحامل والأم بنظرة أكثر شمولية، فهي إنسانة تمر بهذه التجربة بكامل كيانها وقدراتها ويحق لها أن تحصل على أفضل جودة في رعايتها الصحية. يزداد وعي الأمهات والحوامل ومعرفتهم برغباتهم وقدرتهم على اتخاذ قرارات تخص صحتهم وصحة مواليدهم وبحقوقهم في مساحات الولادة شيئاً فشيئاً فهي نظاماً موجودة ومحفوظة بإذن الله…

تجربة الولادة لها تأثير كبير على مدى قدرة الأم الوالدة على التعافي والتشافي منها ومعرفتك ووعيك بهذه الأمور تمكنك من الحصول على تجربة ولادة إيجابية وتفادي المفاجآت والصدمات بإذن الله وأنت بكامل عافيتك وقوتك وتهئيك لمرحلة ما بعد الولادة والتغيرات التي تستمر في الحدوث لك في الأسابيع والأشهر الأولى من الإرهاق البدني والنفسي والعاطفي والرضاعة الطبيعية و قدرتك على التمكن من ذلك والاستمتاع بجمالها والاهتمام بالرضيع واحتياجاته وكيفية التعامل معها ومتى يتطلب مراجعة الطبيب إن لزم وهنا يكون أيضاً دور الدولا حيث يمكن لها كجزء من مهامها زيارتك في الفترة ما بعد الولادة ودعمك نفسياً وعاطفياً إلى أن تشعري باسترجاعك عافيتك وتـأقلمك مع الأوضاع الجديدة في حياتك وتساعدك للتعامل مع أي مشاعر طبيعية قد تشعرين بها بعد الولادة بسبب التغيرات الفسيولوجية والهرمونية التي تطرأ وقد تسبب لك القلق أو الاكتئاب ما بعدها وترشدك للدعم النفسي المطلوب إن احتجت لذلك…لأنها قد تغلب عليك وتؤثر بشكل كبير في قدرتك للتعامل مع حياتك كأم …كله لصحتك وعافيتك كأم…

وأشير هنا إلى أهمية نوع آخر من المرشدات الصحيات وهم

مرشدات الرضاعة الطبيعية Breastfeeding Counselors or Lactation Consultants

وهم خبيرات مدربين على كل ما له علاقة بالرضاعة الطبيعية من تثقيفك حول أهميته لصحتك الجسدية والنفسية وشفائك بعد الولادة ولصحة المولود الجسدية والعاطفية كذلك وقدرتك على الارتباط به وثراء التجربة لكم عاطفياً ومنها كيفية الالتقام الصحيح والتأكد من حصوله على ما يحتاجه ومساعدتك في تخفيف أي آلالام في الثدي ودعمك للمواصلة في الأيام الأولى التي قد تكون صعبة وإن كنت قلقة من عدم وجود الكمية الكافية وطمأنتك وإدرارك للحليب بالشكل السليم وكيفية المحافظة على ذلك وتشجيعك على الاستمرار لأطول فترة ممكنة لكم في الأشهر أو السنتين الأولى من حياة طفلك والتغذية المناسبة لك لهذا وتعلمك كذلك كيفية الشفط والتخزين إن رغبت بذلك أيضاً

حاولت عرضها ببساطة…وكيف يمكن إعادة تهيئة نظرتنا لها وزيادة الوعي للمرأة والأم…و أتمنى للأمهات والمواليد والأطفال حياة مزهرة وقوية ومعافاة و نطمح دائماً للأفضل…

إذا كان لديك أي استفسار أو رغبت في التعرف على أي من ما سبق مناقشته أكثر أو ترغبين في الحصول على أي من أنواع التثقيف المذكور أرجو التواصل عبر البريد الالكتروني أو حساب الانستاجرام

maternalwellnessksa@gmail.com @maternalwellnessksa

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *